القصة كاملة
الجزء 2
كانت رحلة العودة إلى حي الزمالك في القاهرة صامتة كالجحيم.
قاد عادل السيارة دون أن يشغل الموسيقى، دون أن يرد على المكالمات المتكررة من الطبيب “المختص” الذي كان يلح منذ أسابيع على تغيير علاج أروي. في المقعد الخلفي كانت ابنته ملفوفة ببطانية، ترتجف بصمت، وبجوارها كيان، بينما كانت فيرونيكا تجلس في الأمام بهدوء مصطنع وكأنها ما زالت تسيطر على كل شيء.
قالت أخيرًا بابتسامة باردة: “أول ما نوصل البيت، كل ده هيتفهم غلطه… والطفل ده لازم يعتذر.”
لم يرد كيان.
عند وصولهم، طلبت أروي أن تذهب إلى غرفتها، لكن عادل رفض بحسم: “لا… النهارده محدش هيفارق التاني.”
صعدوا جميعًا إلى غرفة مكتب فيرونيكا الخاصة، وهي الغرفة التي كانت تمنع أي أحد من دخولها دائمًا. كانت تقول إنها تحفظ فيها أوراق “مؤسسة خيرية” وأوراق والدها الراحل. في الخلف
أشار كيان إليه فورًا: “هنا.”
ضحكت فيرونيكا بسخرية: “بقى هتصدق طفل شارع؟”
“هات المفتاح”، قال عادل بحدة.
“مش معايا.”
“فيرونيكا.”
“ضيعته.”
لم يعد عادل يناقش. أمسك تمثالًا معدنيًا وضرب به القفل بقوة. انكسر الباب.
ما كان بالداخل لم يكن أوراقًا.
بل كانت حقنًا، وأدوية بلا أسماء، وأكياس صغيرة، وقفازات، وشاش طبي… وفي النهاية كيس بلاستيكي شفاف.
رأته أروي أولًا.
وبداخله…
كان شعرها.
أسود، طويل، مربوط بنفس ربطة الشعر التي كانت تستخدمها دائمًا.
صرخت أروي: “لا… لا… إنتِ قلتي إنه وقع بسبب الكيماوي!”
تجمدت فيرونيكا للحظة… ثم تغير وجهها تمامًا. لم يعد هناك أي لطف.
“إيه المشكلة؟ كان هيرجع يطلع تاني.”
ارتدّ عادل للخلف كأنه تلقى طعنة.
“إنتِ عملتي فيها إيه؟”
ردت بلا مبالاة: “كنت بضعف جسمها… مش بقتلها. الهدف
بدأت أروي تبكي بصمت.
قال كيان بغضب: “إنتي مريضة!”
لكن فيرونيكا تجاهلته، ونظرت إلى عادل مباشرة: “إنتوا الرجالة سهلين جدًا… راجل حاسس بالذنب، وبيدور على حد يثق فيه… وأنا كنت الحل.”
ثم قالت الجملة التي أنهت كل شيء: “الطبيب أصلاً مش أونكولوجي… مجرد دكتور عادي بيكتب اللي أطلبه منه.”
الجزء 3
رن هاتف فيرونيكا.
حاولت الإمساك به، لكن عادل كان أسرع.
ظهر على الشاشة رسالة:
“خلصي بسرعة… العقد قرب يتوقع… ومش عايزين نفس غلط قضية الإسكندرية.”
وصورة.
فيرونيكا مع رجل آخر، وتحتها رسالة: “البنت لسه تحت تأثير المهدئات؟”
ساد صمت مرعب.
قال عادل بصوت منخفض: “إنتِ كنتي ناوية تعملي إيه فينا؟”
ابتسمت فيرونيكا: “كنت هكون الخامسة… غيرك قبل كده كانوا أسهل.”
ثم بدأت تعترف بكل شيء: أنها كانت تختار رجالًا في
أروي كانت ترتجف، وكيان واقف بجانبها لا يتحرك.
عادل اتصل بالشرطة فورًا.
بعد دقائق، وصلت الشرطة.
وحين تم القبض على فيرونيكا، التفتت إلى أروي وقالت بابتسامة باردة: “لو مكنش الطفل ده… كنتي هتكملي مصدقة إنك بتموتي.”
بعد 8 أشهر
كان المنزل مختلفًا تمامًا.
أروي جلست في الحديقة، شعرها بدأ ينمو من جديد، ووجهها عاد له لونه. أصبحت تضحك من جديد.
كيان كان يجلس بجانبها، يرتدي ملابس نظيفة لأول مرة، بعد أن بدأ عادل إجراءات تبنيه.
قال عادل وهو ينظر له: “عامل إيه في المدرسة؟”
رد كيان مبتسمًا: “أحسن من مواجهة الست دي.”
ضحكت أروي وقالت: “يعني بقى تقدر تنجح في الرياضيات.”
ابتسم عادل وهو ينظر إليهما.
فهم أخيرًا أن أعظم إنقاذ في حياته لم يأتِ من طبيب…
بل
تمت حكايات محمد عبده