ابني اختار زوجة ابيه وتركني

لمحة نيوز

الثاني 

لم تُعِد منظمة الحفل نطق اسمي فورًا…
تركت الاسم يسقط في القاعة، وكأنها تنتظر صداه يفعل ما يجب.
شعرت بشدّ في عنقي، وثقل الملف فوق فخذي، وصوت الأجهزة الخافت فوق رأسي.
على المسرح، كان عادل واقفًا في منتصف حركة، ذراعه لا تزال مائلة نحو رغد…
وهي خفّضت رأسها قليلًا، كأنها بدأت تدرك أن شيئًا ما قد انكسر.
قالت المنظمة بصوت أعلى:
"الأستاذة صفاء… تفضلي إلى المنصة."
الناس من حولي تحركوا ليفسحوا الطريق.
سيدة بجانبي رفعت حقيبتها عن الكرسي، كأنها تزيح عائقًا صغيرًا…
لكن الحقيقة أن الطريق كله كان يُفتح أمامي.
وقفت.
ليس بسرعة…
وليس بدافع الكبرياء…
وقفت لأن البقاء جالسة بعد كل هذه السنوات… كان سيجعلني أكذب أنا أيضًا.
لأول مرة…
عادل نظر إليّ.
لكن ليس بحب…
ولا حتى بارتياح…
بل بذلك الذعر الذي يظهر عندما تنهار خطة تم ترتيبها بعناية… أمام الجميع.
حاولت رغد أن تتدخل:
"أكيد في سوء فهم."
قالتها بابتسامة خفيفة…
كما لو أنها تصلح خطأ بسيطًا في حفلة راقية.
لكن الدكتور فتح الظرف وقال بوضوح:
"لا يوجد أي خطأ."
كلمة

"لا يوجد"… كانت كافية لتغيير كل شيء.
صعدت الدرجات الثلاث إلى المسرح.
تحت قدمي، كان السطح خشنًا قليلًا…
وقفت أمام عادل…
ومن قريب، لاحظت العرق الخفيف عند شعره… نفس المكان الذي كان يتعرق فيه وهو صغير عندما يمرض.
تفصيلة صغيرة…
في لحظة لم تعد تشبهنا.
أظهرت لي المنظمة الشاشة…
كان مكتوبًا:
"المسار الدراسي مدعوم بالكامل من جهة راعية محددة"
وتحتها تعديل تم الليلة السابقة:
استبدال المرافقة باسم رغد.
ليس "الأم"…
بل "مرافقة".
الدكتور فتح الورقة الرسمية وبدأ يقرأ:
"قبل إعلان تخرج الطالب عادل…
تود الجامعة تكريم السيدة صفاء…
التي تكفلت بكامل مصاريف دراسته…
بإجمالي قدره…"
وتوقف لحظة…
"21,400 يورو."
همهمة خفيفة انتشرت في القاعة…
عادل أغلق عينيه لحظة.
أما رغد… فابتسامتها اختفت لأول مرة.
لكن الدكتور لم ينتهِ:
"وبحسب شروط الصندوق التذكاري…
فإن الشخص الذي يقف بجانب الطالب في لحظة التكريم…
هو مؤسس هذا الصندوق."
مؤسس.
الكلمة نزلت كأنها صدمة.
نظرت رغد إلى عادل…
تنتظر منه أن ينقذ الموقف…
لكنه لم يفعل.
قال عادل بصوت منخفض:
"
كان في سوء تواصل."
لكن المنظمة ردّت فورًا:
"بل تعديل غير مصرح به."
تقدمت رغد خطوة وقالت:
"كنا فقط نحاول اختيار شيء مناسب للمكان."
مناسب؟!
رفع الدكتور نظره وقال:
"أنسب من الأم التي دفعت كل شيء؟"
الصمت…
كان أقسى من أي رد.
اقتربت من عادل.
شممت عطره الغالي…
الذي اشتراه يومًا ولم أعلّق.
بعض الأمهات تترك لأبنائها رفاهية… حتى لا يشعروا بثقل الحياة.
لكن أحيانًا… ينسى الأبناء من أين جاء كل شيء.
قلت له:
"بصلي."
فعل.
سألته:
"أنت اللي قررت كده؟"
ابتلع ريقه وقال:
"أيوه."
سألته:
"ليه؟"
تردد… ثم قال:
"علشان هي تعرف تتعامل في الأماكن دي… وأنا كنت عايز أتجنب الإحراج."
الإحراج…
أنا… كنت الإحراج.
نظرت له وقلت بهدوء:
"الإحراج بيعمله اللي بيسرق مكان مش بتاعه…
مش اللي دفع تمنه."
لم أقل أكثر من ذلك.
الدكتور أشار لمكاني بجانبه:
"مكانك هنا."
رغد لم تتحرك فورًا…
ثم نزلت من المسرح ببطء…
نزول هادئ…
لكن كأنه طرد محترم.
وقفت بجانب ابني.
هو لم يمسك يدي…
أنا التي لمست ذراعه.
كأنني أمسك بشخص… أعرفه… لكن لم أعد أعرفه تمامًا.
تم
إعلان تخرجه…
التصفيق بدأ…
لكنه لم يكن له فقط.
كان لي أيضًا.
ثم أعطاني الدكتور ورقة صغيرة…
مكتوب فيها:
"إلى السيدة صفاء…
لولا دعمك الصامت… لما تحقق هذا النجاح."
الصامت.
هذه الكلمة… كسرتني أكثر من أي شيء.
انتهى الحفل…
وفي الخارج…
جاءني عادل.
قال:
"ماما…"
بصوت ضعيف…
قال:
"أنا ماكنتش فاكر إنهم هيقولوا كده."
نظرت له وقلت:
"أنت ماكنتش فاكر إنهم عارفين."
قال:
"غلطت."
قلت:
"لا… اخترت."
قبل أن أمشي…
أعطيته الإيصالات.
وقلت:
"خليهم معاك… عشان المرة الجاية لما تختار مين يقف جنبك… ما تختارش من الذاكرة."
بعد أيام…
حوّل لي مبلغ بسيط… وكتب: "أول رد".
أرسل ورد… لم أحتفظ به.
ثم جاء يوم الأحد…
وقف على الباب… ومعه حلوى… ووجه متعب.
دخل…
وأعطاني ورقة.
كانت إقرار رسمي…
أنه يعترف أني أنا من دفعت كل شيء…
وأن اسمي يجب أن يُذكر في كل إنجاز له.
لم يكن مالًا…
بل كان حقيقة مكتوبة.
سألته:
"عملت ده لوحدك؟"
قال:
"أيوه."
أكلنا سوا…
في هدوء…
وقبل أن يمشي…
نظر لصورة والده وسأل:
"هو كان فعلاً بيقول إن الحاجة اللي تتدفع بتعب… لازم تتقال؟
"
قلت:
"أيوه."
ترك برنامج الحفل على الطاولة…
مطبوع فيه اسمي… في المكان الصحيح.
لمسته بيدي…
وكان دافئ…
كأنه أخيرًا…
رجع لي حقي.

تمت حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط