حماتي
صوت جهاز المسح الإلكتروني ما استغرقش ثانية…
بس قسم القاعة نصين.
الموظف سجّل المستند، وناول الظرف الأصفر للقاضي، وبعدين قعد بحذر غريب… كأنه فهم إن اللي بيحصل مش مجرد قضية عادية.
القاضي فتح الظرف وطلع منه 3 حاجات:
ورقة موقعة… فلاشة سوداء… وملف طبي متطوي.
حماتي، سناء المرشدي، ما رفعتش دقنها زي الأول… نزلته شوية بس.
المحامية مريم قالت:
“المستند اتسلم الساعة 08:57 من قسم الرعاية بالمستشفى… بطلب مباشر من المرحوم كريم المرشدي.”
اسم جوزي… لما اتقال كده في القاعة… رجعلي كل حاجة:
ريحة المستشفى… صوته… تعبه في آخر أيامه…
يوسف اتحرك في العربية وطلع صوت خفيف، ومديت إيدي عليه من غير ما أشيل عيني من القاضي.
القاضي قرأ أول سطر… وبعدين قرأه بصوت عالي:
“لو أمي طلبت حتى ساعة واحدة تبعد فيها أولادي عن أمهم… أرجو من المحكمة تقرأ الورقة دي للنهاية.”
محامي حماتي حاول يقاطع:
“يا فندم، دي مشاعر شخص في آخر حياته—”
القاضي قال بهدوء:
“اقعد.”
كلمة واحدة… كأنها قفلت باب.
وكمل قراءة:
“أنا كريم المرشدي، بكامل قواي العقلية، بعيّن زوجتي هالة المسؤولة الوحيدة عن أي قرار يخص أولادي من
وأستبعد أمي تمامًا من أي وصاية مؤقتة بدون موافقة.
ولو حاولت تستغل حالة ما بعد الولادة… فده مش حرص… ده تنفيذ خطة أنا عارفها كويس.”
كلمة “خطة” فضلت معلقة في الجو…
القاضي بص لحماتي… وهي ما قدرتش ترد.
المحامية مريم قالت:
“وفي تسجيل كمان.”
اتشغل الفيديو…
ظهر كريم على الشاشة… ضعيف جدًا… لكن عينيه نفسهم.
وقال:
“لو بتشوفوا الفيديو ده… يبقى أنا مش موجود أو مش قادر أتكلم.”
أول مرة أشوف حماتي مش مسيطرة على نفسها بالكامل.
وكمل:
“أمي سألت قدامي قبل كده إذا كان في طريقة قانونية ‘نثبت’ إن هالة مش مستقرة بعد الولادة.
وكانت بتتكلم عن أوض جاهزة وخدم ووصاية…
بس أولادي ما اتولدوش في فيلا…
اتولدوا في جسم مراتي.”
القاضي وقف الفيديو… وفتح الملف الطبي.
كان ملفي أنا.
حالتي واعية
قادرة أرعى الأطفال
مفيش أي مشاكل نفسية
مفيش سبب يفصلني عن أولادي
وتقرير من دكتورة نفسية قبل الجلسة بيومين:
“الأم متأثرة بالحزن والتعب، لكن قادرة تمامًا على رعاية أطفالها. لا يوجد أي مبرر للفصل.”
محامي حماتي قال:
“هي كانت بس بتفكر في مصلحة الأطفال.”
المحامية مريم فتحت ملف أحمر وقالت:
“طب
طلعت 3 إيميلات:
الأول قبل العملية بـ22 يوم: خطة وصاية بعد الولادة
الثاني: مسودة دعوى جاهزة بتقول إن الأم غير مستقرة نفسيًا
الثالث: تجهيز أوضة أطفال في الفيلا قبل الولادة
كل حاجة كانت متخططة…
القاضي سأل حماتي:
“الكلام ده اتجهز قبل الولادة؟”
قالت بهدوء:
“كنت بفكر لقدام.”
القاضي سأل:
“لقدام لإيه؟”
وسكتت…
الحقيقة ظهرت:
الفلوس اللي الجد سابها للأحفاد…
ما كانتش تحت سيطرة حماتي.
اللي له الحق فيها هو الأب أو الأم.
يعني هي ما كانتش عايزة الأطفال…
كانت عايزة التحكم في الفلوس.
وكمان:
74 ألف يورو اتصرفوا على فيلتها
18 ألف على تجهيز أوضة الأطفال
طلب رسمي للوصول لفلوس الأطفال لو الأم “غير قادرة”
ما كانش حب…
كان ترتيب.
حماتي حاولت آخر محاولة:
“هي مش قادرة حتى تسهر ليلة… لسه تعبانة… فقدت جوزها…”
القاضي بص لي… وبص للأطفال… وقال:
“أنا شايف أم عاملة عملية من 9 أيام… موجودة مع أطفالها.
وشايف جدة كانت بتجهز تفصلهم قبل ما يتولدوا.”
في اللحظة دي…
يوسف عيط… وبعده ليان.
صوتهم ملأ القاعة…
حطيت إيدي عليهم واحد واحد…
الحركة اللي بتأكد إني أمهم.
القاضي قفل الملف وقال:
“رفض
إحالة الموضوع للنيابة للتحقيق.
الحضانة والقرار بالكامل للأم.”
ما كانش انتصار صاخب…
كان حكم مكتوب.
رجعت البيت بأطفالي… وبالحكم…
وأول مرة من أسابيع… حسيت إن محدش يقدر ياخدهم مني.
الحياة ما بقتش سهلة…
الليل فضل صعب…
التعب فضل موجود…
بس حاجة واحدة اتغيرت:
الباب بقى بابي…
مش مفتوح لأي حد.
كريم ما عملش كده علشان ينتقم…
عمله علشان يحمينا.
زي حد بيقفل الشباك قبل العاصفة.
بعد أسبوعين… صدر قرار تاني:
حماتي ممنوعة تيجي البيت بدون إذن
مفيش تدخل في حياة الأطفال
أي زيارة تكون تحت إشراف
حاولت مرة أخيرة… بعتت ورد أبيض ورسالة:
“لما تفوقي… هتفهمي.”
ما دخلش البيت.
الفلوس فضلت للأولاد…
تحت إدارتي… بالقانون.
ما كانتش جائزة…
كانت مسؤولية.
بعد شهور… شلت سوار المستشفى من إيدي…
وقطعته بإيدي.
وحطيته جنب الحكم… وفلاشة كريم.
مش علشان أنسى…
علشان كل حاجة تبقى في مكانها.
الأطفال كبروا شوية…
البيت بقى ليه ريحتهم…
وفي يوم… لقيت الظرف الأصفر تاني.
فتحتُه… وقرأت الجملة:
“أولادي ما اتولدوش في فيلا…
اتولدوا في جسم مراتي.”
قفلت الظرف…
وفي الليل، وقفت على باب أوضتهم…
بصيت عليهم
ما كانش في ريحة محكمة…
ولا خوف…
بس دفء… وهدوء…
والظرف الأصفر ساكت…
كأنه أخيرًا خلص دوره.
تمت حكايات محمد عبده