الجزء الثاني من القصة

لمحة نيوز

اسمي ياسمين عبد الرحمن. عمري 32 سنة.
خدمت في الجيش المصري لمدة 11 سنة، ووصلت لرتبة رائد.
من خمس سنوات…
أختي “سارة” أخبرت والديّ أنني هربت من خدمتي بسبب إدمان…
كذبة واحدة… لكنها كانت كفيلة بأن تدمر حياتي بالكامل.
في ذلك الوقت… كنت على بعد مئات الكيلومترات، أجلس بجوار سرير صديقتي المحتضرة، أمسك يدها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.
لكن عائلتي… لم تسأل.
قطعوا علاقتهم بي دون أن يسمعوا مني حرفًا.
حظروا رقمي.
اعتبروا اسمي وصمة يجب محوها من تاريخهم.
لم يحضروا ترقيتي…
ولا زفافي…
ولمدة خمس سنوات…
كنت مجرد شبح بالنسبة لهم.
ثم… في الشهر الماضي…
تم إدخال أختي إلى الطوارئ في أحد المستشفيات العسكرية بعد حادث سيارة عنيف.
كانت فاقدة الوعي… تنزف… بين الحياة والموت.
وعندما استدعى الفريق الطبي رئيسة قسم الجراحة…
دخلت أنا.
أمي رأت اسمي مكتوبًا على المعطف الأبيض…
وأمسكت بذراع أبي بقوة…
لأن الابنة التي دفنوها في قلوبهم…
كانت الآن الوحيدة القادرة على إنقاذ أختها.
وقفت للحظة… أنظر إليهم…
إلى الأشخاص

الذين محوني…
وفهمت شيئًا متأخرًا جدًا:
في بيت بُني على “الشرف والانضباط”…
لم يكن هناك مكان للخطأ…
لكن كان هناك دائمًا مكان للكذبة…
طالما بدت “مشرفة”.
نشأت في بيت يرى أختي “سارة” على أنها الكمال نفسه.
كانت جذابة… ذكية اجتماعيًا… تعرف ماذا تقول ومتى.
أما أنا…
كنت الفتاة الهادئة… التي لا يراها أحد.
أتذكر يومًا في الإعدادية…
كنت الوحيدة في مدرستي التي تأهلت لمسابقة علمية على مستوى المحافظة.
تعبت شهورًا على مشروع علمي…
وكنت أظن أن هذا سيجعل والدي فخورًا.
لكن في نفس اليوم…
كان لدى أختي عرض مسرحي.
ذهبوا إليها.
عدت للبيت وأنا أحمل المركز الثاني…
نظر أبي للشهادة لثوانٍ… وقال: “حلو”… وانتهى الأمر.
في ذلك اليوم… قررت شيئًا:
إن لم أكن الابنة التي تُرى…
سأصبح الابنة التي لا يمكن تجاهلها.
وعندما تم قبولي في كلية الطب…
لأول مرة… نظر لي والدي باهتمام.
أمي اتصلت بالجميع…
وأخيرًا شعرت بالفخر.
لكن…
أختي كانت تبتسم… ابتسامة لم أفهمها وقتها.
بدأت تسألني عن كل شيء…
دراستي… خوفي… ضغوطي…
وأنا…
كنت أحكي لها كل شيء بسعادة…
ظنًا مني أنني أخيرًا أمتلك أختًا حقيقية.
لكنني… كنت أعطيها السلاح الذي ستدمرني به لاحقًا.
ثم جاءت الصدمة…
صديقتي “مها” أصيبت بسرطان في المرحلة الرابعة.
تركت الدراسة مؤقتًا بإجازة رسمية…
لأكون بجانبها.
أخبرت أختي… وطلبت منها ألا تخبر أهلي.
وافقت…
بعد ثلاثة أيام…
دمرت حياتي.
قالت لهم إنني أسرق أدوية…
وأنني هربت من الخدمة…
وأنني انهرت.
وفي بيت لا يؤمن إلا بالشرف…
أصبحت في نظرهم:
خائنة وجبانة.
اتصل بي والدي…
لم يسأل…
لم يستمع…
فقط حكم علي.
حاولت أشرح…
لكن الخط انقطع.
اتصلت بهم 14 مرة…
لا رد.
أرسلت إيميلات…
لا رد.
أرسلت رسالة مكتوبة بخط يدي…
عادت لي مكتوب عليها:
“إعادة للمرسل”
بخط أمي.
في تلك اللحظة…
فهمت الحقيقة:
لم تكن المشكلة كذبة أختي فقط…
بل أنهم كانوا مستعدين لتصديقها.
ماتت “مها”…
وكنت وحدي بجانبها.
دفنتها…
ثم عدت.
أنهيت دراستي.
تخصصت.
تزوجت.
وبنيت حياتي من الصفر.
أصبحت:
رائد / د. ياسمين عبد الرحمن
رئيسة قسم جراحة الطوارئ
وفي تلك الليلة…
كانت
أختي على طاولة العمليات أمامي.
سألت نفسي سؤالًا واحدًا:
لو كان الشخص الذي دمّرك…
هو نفسه الذي تحتاج لإنقاذه…
هل ستنقذه؟
وأنا…
أنقذتها.
بعد العملية… خرجت إليهم.
قلت بهدوء:
“أنا الدكتورة المسؤولة… وبنتكم خرجت من العملية بنجاح.”
أمي حاولت تحتضني…
لكنني تراجعت.
والدي نظر لي… مصدوم.
قال: “بس سارة قالت…”
قاطعته:
“سارة قالت اللي يناسبها…
وأنتم صدقتم… لأن ده كان أسهل.”
أخبرتهم بالحقيقة كاملة…
عن صديقتي… عن الرسائل… عن محاولاتي.
ولأول مرة…
رأيت والدي… ينهار.
بعد أسبوع…
عمتي جاءت بكل الأدلة…
إيميلات… أوراق رسمية… كل شيء.
انهارت أمي بالبكاء…
وصمت والدي… لأول مرة في حياته.
أختي اعترفت بكل شيء…
في رسالة للعائلة كلها.
اليوم…
والداي يحاولان إصلاح ما كُسر…
يتصلان كل أسبوع…
لكن…
العلاقة لم تعد كما كانت.
وفي الشهر الماضي…
وقفت على المسرح لاستلام جائزة أفضل طبيبة.
نظرت للحضور…
وفي آخر الصف…
كان والداي.
في تلك اللحظة… أدركت:
أنا لا أحتاج اعتذارهم…
لأكون كاملة.
أنا لدي بيتي…
زوجي…
وحياتي التي
بنيتها بنفسي.
ما زلت أرتدي زي الجيش كل صباح…
وألمع أدواتي…
لكن الفرق الآن…
أنني لم أعد أعيش لأثبت لهم من أنا.
أنا أعرف من أكون.

تمت حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط