الجزء الثاني حكايات محمد عبده

لمحة نيوز

الاستيقاظ العنيف
كانت الغرفة مظلمة، لا يضيئها سوى خيط ضعيف من الضوء القادم من الستائر المغلقة. كان الهواء ثقيلًا برائحة الفراش القديم والعرق. فجأة فُتح الباب بعنف، ودخل "باسم" بخطوات ثقيلة، وظلاله تمتد على الأرض.
قال بصوت غاضب:
"انهضي يا كسولة عديمة الفائدة!"
وأمسك شعري بقوة.
اخترق الألم فروة رأسي كالإبر المشتعلة، وصرخت بينما كان جسدي يرتجف من الذعر. كان الغضب والإهانة يحرقان داخلي، لكن الخوف شلّ حركتي.
رأيت أمي "سلمى" عند الباب، تحمل الهاتف وتصور وهي تضحك بخفوت.
صرختي ملأت المكان، لكن لا شيء توقف. جرّني باسم من السرير، وقدماي ترفسان الأرض بلا جدوى. دموعي غطّت عينيّ.
صرخت:
"توقف… أنت تؤلمني!"
لكن أمي قرّبت الكاميرا أكثر، وتردد صوت ضحكها في المكان.
قالت:
"هذا ما يحدث عندما لا تحترمين القواعد."
جرّني باسم في الممر، وكل سحبة كانت تمزق شيئًا بداخلي. كان قلبي ينبض بعنف.
قلت باكية:
"من فضلك يا ماما، أوقفيه!"
لكنها استمرت في

التصوير بلا اكتراث.
ثم فجأة تركني باسم ودفعني قائلاً:
"نظفي المطبخ حتى يلمع."
وكأن شيئًا لم يحدث.
الحياة اليومية داخل العنف
المطبخ كان مضاءً بإضاءة خافتة، ورائحة القهوة تختلط بالمنظفات. كنت أتحرك كظل، أرتجف وأنا أنظف أسطحًا نظيفة بالفعل.
قال باسم وهو ينظر لهاتفه:
"أخيرًا بدأت تتعلم."
وأمي كانت تهز رأسها وتقول:
"قلت لك، تحتاج عواقب."
كل كلمة كانت كصفعة جديدة.
كان جسدي يؤلمني، لكنني واصلت الصمت. كنت أخاف أن أثير غضبًا جديدًا.
صرخ باسم:
"تحركي!"
شعرت بالخوف يخنقني، لكن داخلي بدأ يتغير… لم أعد أستطيع الاستمرار هكذا.
الماضي الذي يطاردني
منزل باسم كان باردًا ومنظمًا بشكل مخيف، وكأن القواعد في كل زاوية. عشت هناك ثلاث سنوات من الصمت والخوف.
كانت أمي تقول دائمًا:
"باسم يريد مصلحتك، هو فقط يربيك."
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
كان يعزلني عن عائلتي، يمنع الرسائل، ويتحكم في كل شيء.
بدأت أتذكر أول مرة أمسك بي بعنف بسبب خطأ بسيط…
وكيف صمتت أمي وقتها.
الخوف كان يزداد، لكن بداخلي بدأ شيء آخر ينمو: الرغبة في الهروب.
قرار طلب المساعدة
المدرسة كانت المكان الوحيد الذي أشعر فيه ببعض الأمان.
دخلت فصل الفنون حيث المعلمة "الآنسة هناء".
نظرت إليّ وقالت فورًا:
"ليان… ماذا حدث لك؟"
لم أستطع الكذب هذه المرة.
قلت بصوت مرتجف:
"أحتاج مساعدة."
نقلتني إلى المرشدة المدرسية، وبدأ كل شيء يتغير.
تم فحص إصاباتي، وسُئلت عن كل ما يحدث في المنزل.
اعترفت أخيرًا:
"هذا يحدث منذ ثلاث سنوات."
تم إشراك الجهات المختصة.
وشعرت لأول مرة أنني لست وحدي.
بداية التحقيق
في مكتب هادئ، جلست أمام مسؤولة الدعم وهي تقول:
"أنتِ الآن بأمان."
لكن داخلي كان مليئًا بالخوف: ماذا لو انتقموا؟
ثم ظهر اسم عمتي "ليلى"، التي كنت أعتقد أنني لن أراها مرة أخرى.
وصلت بسرعة، واحتضنتني وهي تبكي.
قالت:
"كنت أبحث عنك طوال الوقت."
وشعرت بشيء دافئ لأول مرة منذ سنوات.
تم نقلي للعيش معها مؤقتًا.
كشف الحقيقة
في مركز
الشرطة، تم عرض الفيديو.
صوت أمي وهي تضحك كان كالصاعقة.
قال المحقق:
"تم نشر الفيديو على الإنترنت."
شعرت أن الأرض تنهار بي.
وكان الأسوأ أنه نُشر في مجموعة ساخرة من الأطفال.
تم القبض على باسم وأمي.
وخلال التفتيش، وجدوا رسائل مخفية كانت أمي تمنعني من استلامها من عائلتي.
كانت الحقيقة أكبر مما تخيلت.
المحاكمة والنتيجة
في المحكمة، شاهد الجميع الفيديو.
القرار كان صادمًا:
سجن باسم لسنوات، وأمي أيضًا.
لكن داخلي لم يكن فرحًا… فقط مزيجًا من الألم والراحة.
بعض العائلة لم تصدقني، لكن عمتي دعمتني بقوة.
الشفاء وبداية جديدة
انتقلت للعيش مع عمتي.
بدأت العلاج النفسي، وبدأت أفهم ما حدث لي.
كان الألم لا يزال موجودًا، لكنه لم يعد يسيطر عليّ.
بدأت أدرس وأرسم وأحاول أن أعيش من جديد.
ثم جاءت فرصة للدراسة في الجامعة.
حياتي بدأت تتغير.
الخاتمة
بعد سنوات، أصبحت أروي قصتي للآخرين.
لم أعد ليان التي كانت خائفة في ذلك المنزل.
بل أصبحت شخصًا نجا… وبدأ
من جديد.
ورغم أن الماضي لا يختفي، إلا أنه لم يعد يحدد من أنا.

تمت حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط