اخويا الكبير
الجزء الثاني
الصمت اللي جه بعد سؤال يوسف كان تقيل لدرجة إن آدم نفسه وقف تلوين.
كريم ما بعدش عينه عنه.
"أنا ما كنتش أعرف…"
قالها أخيرًا. "وعارف إن ده مش هيصلّح حاجة."
يوسف بصله بنظرة قاسية… أكبر من سنه بكتير.
"ماما كانت عارفة إنت مين."
كل كلمة كانت خارجة بحذر.
"ومدورتش عليّ؟"
سأل كريم بصوت مخنوق.
يوسف هز راسه ببطء:
"كانت دايمًا تقول إن عالمك كبير قوي… وإحنا صغيرين عليه."
آدم قام بسرعة وحضن يوسف من وسطه، كأنه بيحاول يحميه من الكلام اللي مش فاهمه كله.
"خلاص بقى… إحنا لقينا بعض."
قالها بثقة الأطفال.
كريم حس بوخزة في قلبه… نفسه يصدق إن الدنيا ممكن تتصلّح بسهولة جملة، بس الحقيقة غير كده.
تاني يوم الصبح… كل حاجة انفجرت.
دخلت الحاجة فاطمة (أم كريم) البيت فجأة، زي عادتها، بتدي أوامر للخدم… لحد ما شافت يوسف قاعد في المطبخ، قدامه طبق أكل، ولابس هدوم نظيفة من هدوم آدم.
وقفت مكانها.
"مين الولد ده؟"
كريم وقف وقال بهدوء:
"اسمه يوسف."
"ده أنا سمعته… بس سألت مين هو؟"
آدم رد بسرعة:
"أخويا."
الحاجة فاطمة ضحكت ضحكة صغيرة جارحة:
"ما تقولش كلام فاضي يا آدم."
يوسف وطّى راسه فورًا… كأنه متعود
كريم اتقدم خطوة:
"ممكن يكون ابني."
المرة دي، ملامح أمه اتغيرت.
"إنت دخلت ولد من الشارع بيتك… ومع ابنك… من غير ما تعرف هو مين؟!"
"أنا عارف هو مين… أو على الأقل ابن مين."
"من البنت دي؟"
قالتها وهي ضاغطة على سنانها.
"من سلمى؟"
يوسف رفع راسه بسرعة.
كريم بص لها بصدمة:
"إنتي كنتي عارفة؟"
اترددت لحظة… لحظة واحدة بس، لكنها كانت كفاية.
"كنت عارفة إنه غلط من الأول."
قالتها ببرود.
يوسف وقف فجأة وخبط الكرسي وراه.
"فهمت…"
قال بهدوء موجع.
"أنا ما كانش المفروض أجي."
بدأ يمشي ناحية الباب، لكن آدم جري وراه وهو بيعيط:
"ما تمشيش! أنا وعدتك بالأوضة!"
كريم لحقه قبل ما يفتح الباب:
"محدش هيطردك."
يوسف رد من غير ما يبصله:
"أنا اتطردت كتير… حافظ النهاية."
في اللحظة دي، يوسف فتح شنطته القديمة عشان يلم حاجته…
ووقعت صورة.
كريم مسكها بإيدين بترتعش.
كانت صورته… وهو أصغر، بيضحك في ملاهي، وحاضن سلمى… وكانت حامل.
وهو ما كانش يعرف.
ورا الصورة، كان مكتوب بخط إيد:
"لو لقيت الصورة دي يوم… يبقى أنا ما قدرتش أكمل لوحدي. سامحني إني ما دورتش عليك أكتر… وسامحني إني سبتك تشيل السكوت
كريم حس إن حاجة اتكسرت جواه.
مافيش مبررات… ولا هروب.
في نفس اليوم، أخد يوسف يعمل تحليل DNA.
الطريق كله كان صامت…
آدم ماسك الصورة كأنها كنز.
بعد ساعات… التليفون رن.
كريم رد، وإيده ساقعة.
سمع… وسكت… وقفِل عينه.
وشه اتغير تمامًا.
يوسف بصله:
"قالوا إيه؟"
لكن كريم ما ردش فورًا…
والحقيقة كانت لسه جاية… في أصعب لحظة.
الجزء الثالث (النهاية)
اللحظات اللي فاتت قبل الرد كانت طويلة جدًا على يوسف.
لكن النتيجة كانت واضحة:
99.99%
مافيش شك.
يوسف… ابن كريم.
كريم نزل التليفون ببطء.
آدم كان باصص لهم مش فاهم الأرقام… بس حاسس إن حاجة كبيرة حصلت.
كريم نزل على ركبته قدام يوسف:
"آه…"
قالها بصوت مكسور.
"إنت ابني."
يوسف ما ابتسمش…
ما جريش عليه…
ما عملش أي حاجة من اللي بنشوفها في القصص.
بس قال:
"وده هيغير إيه؟"
السؤال خبط في قلب كريم.
"مش هيغير اللي حصل… ولا تعب مامتك… ولا إنك عشت لوحدك… وأنا كنت عايش عادي."
يوسف بلع ريقه:
"يبقى ما تتصرفش كأن كل حاجة اتحلت."
كريم هز راسه:
"هي مش اتحلت."
آدم تدخل بجدية غريبة على سنه:
"بس ممكن نبدأ."
يوسف بص له… ولأول مرة، عينه لانت.
في نفس اليوم، راحوا لقبر
كريم جاب ورد أبيض.
آدم جاب رسمة بيت فيه أوضتين وثلاثة ماسكين إيد بعض.
يوسف كان شايل الصورة على قلبه.
قدام القبر، كريم انهار:
"ما دورتش عليك… وهربت من الحقيقة… وخليتك تشيلي الحمل لوحدك."
يوسف قال بهدوء:
"ماما عمرها ما اتكلمت عنك وحش… وده كان بيضايقني أكتر."
كريم مسح وشه:
"أنا ما كنتش أستاهلها."
بعد شوية، وصلت الحاجة فاطمة… شكلها متغير.
قربت من يوسف وقالت بصعوبة:
"كنت فاكرة إني بحمي ابني… بس أنا دمرت كل حاجة."
يوسف رد بهدوء:
"آه… دمرتي."
وسكتت… ما كانش في رد ينفع.
رجعوا البيت…
وكريم أخد قرار نهائي.
جمع كل الناس وقال:
"يوسف ابني… وهيعيش هنا مش كضيف… لكن كفرد من العيلة."
محدش اعترض.
بالليل…
آدم سحب مخدة ودخل أوضة يوسف:
"عشان لو خفت تنام لوحدك."
يوسف ضحك ضحكة خفيفة:
"أنا بقالي كتير مش بخاف."
آدم رد:
"يبقى عشان لو مش عايز تنام لوحدك."
يوسف بص لكريم… اللي كان واقف عند الباب، من غير ضغط… بس موجود.
"أنا هفضل…"
قالها أخيرًا.
"بس مش هغير اسم عيلتي."
كريم ابتسم ودموعه في عينه:
"ولا أنا عايز… أمك هتفضل موجودة هنا دايمًا."
يوسف قعد على السرير… كأنه لسه مش مصدق.
لأن الدم ممكن
لكن الحب، والصدق، واللي بتعمله بعد ما تتأخر…
هو اللي بيحدد إذا كنت تستاهل تبقى عيلة ولا لأ.
تمت حكايات محمد عبده