جدي
الجزء الثاني
اللواء حسام الكيلاني قفل باب مكتب جانبي، وفضل باصص على الخاتم كأنه شايف فيه سر من الماضي.
حاولت أكسر التوتر وقلت بهزار خفيف:
“ما كنتش أعرف إن خاتم قديم ممكن يخوّف لواء بالشكل ده.”
ما ابتسمش.
بدأ يسألني عن رتبتي، وحدتي، وكل حاجة أعرفها عن تاريخ جدي العسكري…
بس الحقيقة؟ ما كنتش أعرف حاجة.
جدي عمره ما حكى.
ولا ساب صور… ولا أوسمة… ولا حتى حكاية.
بس الخاتم… وبيت باعوه أهلي في أقل من شهر.
قبل ما أمشي، قال لي:
“هكلمك تاني… في حاجات لازم تعرفها، بس مش هنا.”
رجعت البيت واتصلت بأمي وسألتها عن الخاتم.
ضحكت وقالت:
“جدك كان بيحب يعمل نفسه غامض… ما تكبّرش الموضوع.”
قلت لها إنه كان في الجيش.
ردت ببرود:
“آلاف دخلوا الجيش… ده مش معناه إنه بطل.”
أبويا كان أسوأ:
“واحد قضى عمره مستخبي… ما يستاهلش تحطه في مقام كبير.”
كنت عايز أصرخ فيهم…
إنه مات لوحده… وهم ما سألوش حتى عليه.
بس قفلت السكة قبل ما أقول حاجة أندم عليها.
بعد أسبوع، اللواء طلب يقابلني في مكتب جنب مركز لقدامى المحاربين.
المرة دي دخل في الموضوع على طول.
طلع ملف رفيع، كله شطب أسود، وحطه قدامي.
وقال:
“جدك ماكانش جندي عادي… كان
حسيت الدنيا بتلف.
قلت:
“عمليات سرية إزاي؟”
قال:
“إنقاذ مدنيين… تسلل… مهام محدش بيتكلم عنها… ولو فشلت، كأنها ما حصلتش.”
وأشار للخاتم:
“ده مش زينة… ده علامة داخلية… كان بيلبسها بس الناس اللي شغالة في العمليات دي.”
ساعتها فهمت الحقيقة الصعبة…
جدي عاش زي الشبح…
مش لأنه ولا حاجة…
لكن لأنه كان مجبور يختفي.
اللواء كمل بصوت واطي:
“جدك أنقذ ناس كتير… أكتر مما تتخيل…
بس التمن كان كبير.”
افتكرت بيته الفاضي…
وإيده وهي بترتعش وهو ماسك فنجان القهوة…
ونظرته للشارع كأنه مستني حد مش هييجي.
قال لي:
“في حاجة أهم…”
فتح صفحة في الملف، كلها مشطوبة…
غير سطر واحد.
قريته مرتين علشان أفهم:
“يوصى بإبعاد الضابط عبد الرحيم حسن عن ابنه حفاظًا على حياته.”
جلدي قشعر.
قلت:
“ابنه… يعني أبويا؟”
هز راسه:
“كان في تهديد حقيقي… وجدك وافق يبعد… علشان يحميه.”
ساعتها كل حاجة اتقلبت.
أبويا طول عمره شايفه أب قاسي…
ويمكن الحقيقة إنه كان بيحميه.
رحت مركز قدامى المحاربين في القرية.
عم رمضان، راجل عجوز، أول ما سمع اسم جدي سكت شوية.
وقال:
“جدك كان شايل حاجات ما ينفعش تتحكي…
بس عمره ما بطل
تاني يوم، واجهت أمي.
قالتلي:
“رمينا كشكول قديم بتاعه… كله أرقام وتواريخ… زبالة.”
حسيت إني مخنوق.
قعدت مع أبويا وسألته:
“ليه فضلت تكرهه بدل ما تحاول تفهمه؟”
خبط على الترابيزة وقال:
“اللي يسيب عيلته ما يستاهلش يتفهم!”
طلعت الورقة وحطيتها قدامه.
بدأ يقرأ…
وإيده بتترعش.
واللي جاي… كان هيكسر كل حاجة.
الجزء الثالث (النهاية)
أبويا قرأ الورقة مرة… واتنين…
وفي الآخر ما قدرش يمسكها من الرعشة.
طلعت آخر حاجة اللواء إداني:
خطاب من جدي… مكتوب من حوالي 20 سنة.
أنا اللي قريته بصوت عالي:
“يا سامي…
لو قريت الرسالة دي، يمكن يكون فات وقت طويل…
اختارت إنك تكرهني… علشان ده كان أأمن لك.
اسمك اتذكر في مكان خطر…
وكان ممكن تدفع تمن حاجات مالكش ذنب فيها.
طلبوا مني أبعد… وأسكت… وأستحمل.
وافقت… لأني فضلت أشوفك عايش وبتكرهني…
ولا ميت وبتفتخر بيا.”
أمي حطت إيدها على بوقها.
أبويا بص في الأرض… كأنه اتكسر.
كملت:
“ما ندمتش إني خدمت…
بس ندمت على التمن اللي دفعتوه.
كنت بشوفك من بعيد…
حضرت تخرجك…
وشوفتك بتلعب كورة وانت صغير…
وساعدتكم من غير ما تعرفوا.
لو كنت بتكرهني… على الأقل كنت عايش.”
سكون…
تقيل
اللواء فتح ملف تاني، وورانا تقارير عن عملية أنقذ فيها جدي مدنيين…
وكان فيها تهديد مباشر لعيلته.
البعد ماكانش اختيار…
كان أمر.
وجدي نفذه… حتى لو ابنه شافه جبان.
أبويا قعد على الكرسي كأنه كبر فجأة.
وقال بصوت مكسور:
“أنا طول عمري فاكر إنه ماحبناش كفاية…”
بصيت له وقلت:
“لا… هو حبك لدرجة إنه استحمل كرهك.”
أمي انهارت في العياط.
وأخويا سكت لأول مرة.
بعد شوية، أبويا قال:
“إحنا ما استاهلناش.”
وأنا افتكرت جدي وهو بيقول:
“مش هييجوا”… من غير زعل.
كأنه كان عارف النهاية.
أبويا قرر نعمل عزا تاني… يليق بيه.
المرة دي… القرية كلها حضرت.
وقدامى المحاربين… والجيران… وناس كتير ماكنتش أعرفها.
اللواء حضر بالبدلة الرسمية.
أخويا حط علم جنب القبر.
أمي كانت بتعيط بجد.
وأبويا وقف وقال:
“كنت بقيس قيمة الناس باللي بيقولوه… وباللي بيبان…
وأبويا ما قالش حاجة.
افتكرت سكوته ضعف…
لكن الحقيقة…
إننا مدينين له بحاجات عمرنا ما هنعرف نرجعها.”
بعد كده…
أهلي تبرعوا بجزء من فلوس البيت لمركز المحاربين.
وبقوا يزوروا الناس اللي كانوا بيتجاهلوهم.
وأنا…
لسه لابس الخاتم.
مش علشان السر…
ولا علشان الفخر…
لكن علشان أفتكر:
إن
ممكن يكون شايل أكتر من الكل.
وإن في ناس كتير…
بنسيبهم يموتوا لوحدهم…
بس علشان ما فهمناش صمتهم.
تمت حكايات محمد عبده