الجزء الاخير
حركة الطفل بين ذراعيها كانت بسيطة… لكنها كانت كافية لكسر التوازن الهش الذي كانت تحاول ليلى عبد الرحمن التمسك به.
فبمجرد أن نظرت إليه، لم ترَ طفلها فقط… بل رأت كل حياتها السابقة تُسحب منها دفعة واحدة: اسمها، شركتها، عالمها كله، وكل ما قيل عنه في الأخبار وكأنه انتهى بالفعل.
الشاب ظل صامتًا للحظة، عينيه ثابتة على الراديو، لكن جسده كان متوترًا.
في الخارج، مرّت سيارة ببطء غير طبيعي… ثم أخرى… ثم ثالثة.
لم تكن صدفة.
بل مطاردة.
قال الشاب أخيرًا بصوت منخفض دون أن ينظر إليها: مش جايين يدوروا عليكي بس… دول جايين يتأكدوا إنك تختفي قبل ما حد يوصلك.
شعرت ليلى بقشعريرة باردة، ليست من الهواء… بل من الحقيقة.
كريم لم يسرقها فقط.
هو خطط لمحوها بالكامل.
نهض الشاب فجأة وأغلق الراديو بقوة، كأن الصوت نفسه خطر عليهم.
ثم قال:
—لازم نمشي فورًا.
—نروح فين؟ —سألت بصوت مكسور.
تردد لحظة، ثم قال:
—أي مكان مش هيكونوا وصلوله لسه.
لكن قبل أن يتحركوا… جاء صوت خطوات من أسفل الكوبري.
واحد… اثنان… ثم أكثر.
توقف الجميع.
ثم انطلقت ضوء كشاف قوي يصعد نحوهم.
صوت من الظلام:
—هم هنا…
في تلك اللحظة، أدركت ليلى أن الهروب انتهى.
Part 3
ضوء الكشاف ضرب وجوههم مباشرة كأنه حكم نهائي.
الشاب لم يتحرك خطوة للوراء، بل وقف أمام ليلى والطفل.
—اطلعوا من هنا —قال بصوت حاد.
ضحكة قصيرة جاءت من الأسفل:
—إنت فاكر نفسك بتحميها؟ إنت مجرد شاهد.
ليلى شعرت أن الكلمات تضربها في صدرها.
“شاهد”…
يعني أنه يعرف كل شيء.
الشاب شدّ على أسنانه ثم قال بصوت منخفض:
—أنا كنت شغال معاهم… أمن في الشركة.
صمت.
ثم أضاف:
—وشفت كل حاجة… التوقيعات المزورة… وخطة التخلص منها بعد الولادة.
اتسعت عينا ليلى.
لم يكن الأمر خيانة زوج فقط…
بل شبكة كاملة.
خطوات بدأت تصعد السلم المعدني للكوبري.
قال الشاب بسرعة:
—كان مخططين لعملية “حادث بعد الولادة”… بس اختفائك غيّر كل الحسابات.
اسم “كريم” أصبح في عقلها كأنه سكين بارد.
ثم قال بصوت أخفض:
—وفي حد جوه الشركة سرب خبر هروبك… عشان كده وصلوا بسرعة.
ليلى فهمت فورًا.
سارة.
صديقتها.
الخيانة كانت من الداخل والخارج معًا.
فجأة… ظهر أول رجل.
الاشتباك حدث بسرعة.
الشاب دفعه بعنف ليكسب ثواني.
صرخ:
—اهربي!
لكن ليلى لم تتحرك… لأن طفلها بكى.
الصوت جمّد كل شيء لحظة واحدة.
الشاب التفت نحوها، وعيونه كانت فيها قرار نهائي.
ثم قال:
—خدي ابنك وامشي.
ثم وقف أمامهم مرة أخرى.
ولأول مرة لم يكن يحاول الهروب… بل المواجهة.
اشتباك آخر… ثم صوت سقوط… ثم فوضى.
ليلى لم تنتظر النهاية.
ركضت.
خرجت من تحت الكوبري إلى شوارع المدينة.
لم تنظر خلفها.
مرت ساعات…
جلست على مقعد قرب النيل، تحت سماء باردة.
الطفل بين ذراعيها… حي.
لكن حياتها القديمة انتهت.
همست لنفسها:
—مبقاش في “آل عبد الرحمن”…
ليس كحزن.
بل كحقيقة.
الطفل أمسك إصبعها.
وفي تلك اللحظة، رغم كل شيء… لم تعد تنهار من الداخل.
بل بدأت شيئًا جديدًا… مختلفًا تمامًا.
النهاية المؤقتة
القصة
لكن الحقيقة بدأت للتو.
تمت حكايات محمد عبده