الجزء الثاني من القصة

لمحة نيوز

الجزء الثاني
لما فتحت عيني، أول حاجة سمعتها كانت صوت بكاء ابني… قوي، حي، ومليان حياة.
كنت في أوضة خاصة في مستشفى كبير في القاهرة. جسمي كله كان متكسر، وريقي ناشف… وسارة قاعدة جنبي، شعرها منكوش وعينيها مليانة غضب.
ممرضة قرّبت لي الطفل، ملفوف في بطانية زرقا فاتحة. حضنته على صدري… ولأول مرة من زمان، حسّيت إن في حاجة جوايا بطّلت تتكسر.
— ابنك كويس يا ليلى… وزي القمر — قالت الممرضة بابتسامة.
سميته آدم.
سارة حكت لي إن الشرطة والإسعاف كسروا الباب عشان يدخلوا… وإن حالتي كانت خطيرة جدًا… وإن لو اتأخروا شوية، كان ممكن يحصل كارثة.
غمّضت عيني… ما عيطتش. ما بقاش فيه دموع للبيت ده… ولا للاسم ده.
وفجأة… الموبايل اهتز.
إشعار من البنك.
عملية شراء: ٩٥ ألف جنيه — محل ملابس فخم في شرم الشيخ.
بعدين إشعار تاني… وثالث…
مطاعم… مجوهرات… سبا…
وهم بيصرفوا فلوسي كأن مفيش حاجة حصلت… وأنا كنت بموت عشان أعيش أنا وابني.
رفعت عيني وقلت بهدوء مرعب:
— كفاية.
سارة بصت لي:
— ناوية تعملي إيه؟
بصيت لآدم وهو نايم في حضني… وبعدين للسقف الأبيض…
الموضوع ما بقاش كرامة…
أنا عايزة أطلعهم

من حياتي نهائي.
مسكت الموبايل واتصلت بـ أشرف السيوفي، سمسار عقارات كنت أعرفه قبل الجواز.
— أستاذ أشرف… عايزة أبيع فيلا التجمع فورًا. أعلى عرض عندك كام؟
اتصدم لحظة:
— ليلى… في راجل أعمال جاهز يشتري كاش… بحوالي ٩٠ مليون جنيه… بس لو استنينا ممكن نزود—
— مفيش انتظار. عايزاك بكرة بالأوراق في المستشفى.
سارة فهمت فورًا.
الحقيقة؟
البيت… ما كانش عمره بيت كريم.
أنا اللي اشتريته قبل الجواز بفلوس تعبي وورثي.
بس سكت… وسِبتهم يتفاخروا إنه "بيت ابنهم".
حتى نوال كانت دايمًا تقول إن كريم هو اللي "رفع مستوايا"… مع إن الحقيقة كانت العكس.
— لو كنتي سمعتي كلامي من سنتين… — قالت سارة
— خلاص… اللي فات مات — رديت بهدوء — وده آخره.
كنت ماضية قبل كده على أوراق تخليني أتصرف في أملاكي من غير إذن كريم… ووقتها كنت شايفاها مبالغة.
بس الليلة دي… كانت طوق نجاتي.
تاني يوم، أشرف جه بالمشتري.
وأنا على سرير المستشفى… وابني نايم جنبي…
مضيت.
ولا إيدي اتهزت.
الفلوس اتحولت…
والبيت بقى ملك لحد تاني…
والسجن اللي كانوا عايزين يدفنوني فيه… اختفى.
سارة سألت:
— هتقفلي الكروت بقى؟
ابتسمت
ابتسامة خفيفة:
— لسه… سيبهم يتبسطوا شوية.
في نفس الوقت… في شرم الشيخ…
كريم بيصور نفسه على البحر…
دينا بتستعرض الشنط الجديدة…
نوال بتضحك وتقول إنهم "عرفوا يحطوني عند حدي".
ولا واحد فيهم كان عارف…
إن لما يرجعوا…
مش هيلاقوا لا أنا…
ولا البيت.
الجزء الثالث
الصدمة جات لهم في اليوم السادس.
دينا كانت في محل مجوهرات… بتجرب ساعة غالية جدًا…
الكارت اترفض.
اتعصبت.
كريم جرّب كارت تاني… اترفض.
نوال طلعت كارتها بثقة…
اتررفض.
في أقل من عشر دقايق… من شياكة لفوضى.
الفندق طالب فلوس…
مافيش سيولة…
وتذاكر الرجوع غالية.
كريم حاول يتصل بيا…
محظور.
بعت رسائل…
ولا رد.
في الآخر اضطر يستلف فلوس ويرجعوا على أرخص طيارة.
رجعوا القاهرة… مهدودين.
وقف التاكسي قدام الفيلا.
كريم نزل… حط المفتاح…
ما فتحش.
كرر… برضه.
نوال صرخت:
— افتح يا كريم!
بص لفوق…
وشافها.
لافتة كبيرة على البوابة:
"تم البيع"
وتحتها:
ممنوع الدخول — ملكية خاصة
نوال اتجمدت.
دينا وقعت الشنطة من إيديها.
كريم رجع لورا كأنه اتضرب.
خرج حارس أمن:
— في حاجة؟
— دي بيت ابني! — صرخت نوال
الراجل طلع ورق:
— المالك الجديد
اشترى من الأستاذة ليلى من ٥ أيام… لو ما مشيتوش هبلغ الشرطة.
الناس اتجمعت…
والهمس بدأ…
والعيلة اللي كانت بتتباهى… بقت واقفة في الشارع.
تاني يوم… جم المستشفى.
وافقت أقابلهم… بس مش لوحدي.
خرجت وأنا على كرسي… وآدم في حضني… وسارة جنبي… وأمن واقف.
أول ما كريم شافني… نزل على ركبته:
— ليلى… إزاي تعملي كده… ده ابني!
بصيت له كأنه غريب:
— انتهى كل حاجة يوم ما قفلت الباب عليّا.
نوال صرخت:
— إنتي خدتِ كل حاجة!
سارة سلمت أوراق:
— لا… دي رجعت حقها.
طلاق…
وقضية إهمال وتعريض حياة للخطر.
دينا عيطت…
كريم حاول يقرب… الأمن منعه.
حضنت ابني وقلت:
— خلصنا… ما ترجعوش لي تاني.
واتخرجوا من حياتي للأبد.
بعد 4 سنين
بقى عندي براند ملابس ناجح…
وعملت مؤسسة لمساعدة الأمهات اللي اتسابوا.
اتجوزت راجل محترم… بيحب آدم كأنه ابنه.
بيتنا هادي… مفيهوش خوف… ولا إهانة.
أما كريم…
شغال شغلانات بسيطة…
ساكن في أوضة إيجار…
عمره ما خرج من ظل أمه.
دينا بتبيع حاجات أونلاين تسدد ديونها.
نوال… ماتت وهي زعلانة… بتقول إني "جاحدة".
وأوقات… لما بشوف آدم بيجري ويضحك في الجنينه…
بفتكر القفلين اللي اتحطوا
يومها.
هم كانوا فاكرين إنهم حبسوني…
بس الحقيقة؟
القفلة دي…
كانت الباب الوحيد…
لحياة أنا أستاهلها 

تمت حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط