حين انكشف القناع حكايات محمد عبده
الجزء الثاني
مرّت مراسم الزفاف أمام عيني وكأنني غارقة تحت الماء.
كنت أسمع الموسيقى… أرى الناس يمسحون دموع الفرح… أشاهد كريم يردد عهوده بصوت مرتجف…
لكن عقلي كان عالقًا في تلك الورقة… وفي رأسي الحليق تحت ذلك الشعر المستعار.
كل تصفيق كان يبدو بعيدًا…
كل ابتسامة… كأنها سخرية.
لكن الأسوأ… لم يكن ذلك.
الأسوأ كان عندما رأيت أقراط الزمرد التي كانت ترتديها ليلى.
كانت لي.
هدية من زوجي الراحل حسام في عيد زواجنا الثلاثين. كنت سأتعرف عليها وسط آلاف القطع.
وهناك… كانت تتدلى من أذنيها… نفس المرأة التي أهانتني وسرقتني.
نظرتُ إليها مباشرة…
نظرت إليّ لثانية واحدة… ثم ابتسمت.
ابتسامة واثقة… مستفزة…
كأنها تعلم أنني محاصرة… وأن لا أحد سيصدق "أمًا درامية" في يوم زفاف ابنها.
في حفل الاستقبال… تأكدت أن ما حدث لم يكن مجرد قسوة… بل خطة كاملة.
مررت بجانب طاولة وسمعتها تقول وهي تحمل كأسًا:
"مدام سامية لسه مش قادرة تتقبل إن كريم بقى عنده أولويات تانية… حالتها النفسية مش مستقرة من بعد وفاة جوزها… وبعد شهر العسل هنشوف لها علاج."
في تلك اللحظة… لم ينكسر شيء بداخلي…
بل
لم تكن تريد فقط إهانتي…
كانت تريد أن تُظهرني كامرأة مختلة…
تُسقط كلمتي… وتُبعدني… وتجعل مني عبئًا يسهل التخلص منه.
ابتعدت قليلًا… واتصلت بمستشاري المالي.
قلت له بهدوء:
"أوقف تحويل الأموال."
صمت لثوانٍ… ثم قال:
"هل أنتِ متأكدة يا مدام؟"
أجبته:
"تمامًا."
عندما عدت إلى القاعة… كان كل شيء يبدو مثاليًا:
زهور بيضاء… شموع… موسيقى… ضحكات… تهاني.
كانت ليلى تتحرك بين الحضور كملكة…
وكريم يسير خلفها بعينين مليئتين بالحب… وهو المشهد الذي كان يمزقني.
كانت تعتقد أنها أصبحت تملك كل شيء:
ابني… اسمي… بيتي… وأموالي.
اقتربت مني أختي سعاد، وأعطتني ملفًا.
بداخله:
سجل الدخول للمنزل…
صور من كاميرات المراقبة…
وتقرير حصل عليه المحامي بسرعة.
في الساعة 3:12 فجرًا… دخلت ليلى مع إحدى صديقاتها.
وفي 3:14… صعدتا إلى غرفتي.
وفي 3:41… خرجتا بحقيبة قماشية… وحقيبة مجوهراتي.
عندها… فهمت.
لم يعد هناك ما يمكن إنقاذه.
حين جاء وقت الكلمات… أعلن المذيع اسمي.
صفّق البعض…
والبعض الآخر نظر بفضول.
ليلى ابتسمت بثقة…
وكريم… تجنب النظر إلي.
أمسكت الملف بيد…
ولمست الشعر
ثم تقدمت نحو الميكروفون…
تنفست بعمق…
ونظرت للجميع…
وقلت:
"اسمي سامية… وأنا صحيت النهارده وأنا صلعاء تمامًا."
الجزء الثالث
تجمّد المكان كله.
لا موسيقى…
لا حركة…
لا صوت.
حتى كريم… لم يتحرك.
رفعت يدي…
ونزعت الشعر المستعار أمام الجميع.
تعالت شهقات…
وسقط كأس على الأرض.
شعرت ببرودة الهواء على رأسي…
ولأول مرة… لم أشعر بالخجل.
رفعت الورقة… وقرأت بصوت ثابت:
"أخيرًا بقيتي بالشكل اللي يليق بواحدة عجوز ومضحكة."
كان الصمت… مؤلمًا.
ليلى كانت أول من تكلمت:
"دي مجنونة!" قالت بسرعة.
"أنا ما كتبتش الكلام ده… هي بتعمل كده عشان تلفت الانتباه!"
لم أرد فورًا…
فتحت الملف.
قلت بهدوء:
"ده سجل الأمان بتاع بيتي… ودي صور الساعة 3:12 الفجر… ودي إنتي يا ليلى… وإنتي داخلة مع صاحبتك… ودي لما خرجتي ومعاكي مجوهراتي."
كريم اقترب… وجهه شاحب.
ليلى بدأت تتلعثم…
لكنها لم تعد مقنعة.
وفجأة…
وقفت إحدى صديقاتها… تبكي.
قالت بصوت مكسور:
"أنا ماكنتش عايزة أعمل كده… هي قالت إنها مجرد مزحة… وإنها تستاهل… وإن بكرة هيبقى عندهم الفلوس… وكل حاجة هتعدي…"
صرخت
"اسكتي!"
وهنا… انتهى كل شيء.
لأنها… انكشفت.
صرخت فجأة:
"أيوه! أنا عملت كده! وإيه يعني؟! كنت زهقت منها… من بيتها… من تحكمها… من نظراتها! كنت عايزة أحطها في مكانها!"
همسات صدمت القاعة.
قلت بهدوء:
"كنت ناوية أحول ملياري جنيه لكريم وليكي بعد الفرح… لكن مش هدفع جنيه واحد لواحدة تعمل كده."
كريم نظر إليها… وكأنه يراها لأول مرة.
أكملت:
"كل اللي أنا وحسام بنيناه كان علشان ابننا… مش علشان الإهانة… ولا الطمع… الفلوس هتفضل محفوظة باسمه هو بس."
صرخت ليلى… وحاولت تهاجمني…
لكن الأمن تدخل فورًا.
كانت تبكي… تصرخ… تنهار…
بينما الضيوف يصورون في صدمة.
زفافها المثالي… انهار أمام الجميع.
أما كريم…
فلم يقل شيئًا.
فقط وقف… مذهولًا…
يشاهد المرأة التي كاد يخسرني من أجلها… وهي تُسحب بعيدًا.
بعد ساعات…
بعد أن فرغ المكان…
وجدني جالسة وحدي.
اقترب…
ركع أمامي…
واحتضنني بقوة.
وقال بصوت مكسور:
"سامحيني يا أمي… سامحيني إني ما صدقتكش."
وفي تلك اللحظة…
عرفت أن كل شيء… لم يضع.
بعد عام…
عاد شعري للنمو.
أقصر…
لكن أقوى.
مثلي تمامًا.
أحيانًا…
اليوم الذي يبدو وكأنه
يكون هو نفسه اليوم الذي ترى فيه الحقيقة…
وتتوقف عن طلب الإذن…
وتختار نفسك… أخيرًا.
تمت حكايات محمد عبده