منذ 31سنة
كان ذلك “مخزن التخزين” يقع على أطراف مدينة “الإسكندرية”، صفوف من الأبواب المعدنية كأنها أفواه مغلقة، وأضواء ضعيفة تطن في الأعلى، والهواء محمّل بالغبار ورائحة العزل القديم.
كان قلبي يضرب بقوة وأنا أبحث عن رقم الوحدة.
دخل المفتاح بسهولة أكبر مما توقعت.
وعندما ارتفع الباب المعدني، كادت ركبتاي تخوناني.
كان الداخل مختلفًا تمامًا عن أي شيء تخيلته.
صناديق مرتبة بعناية، كل واحد منها مكتوب عليه بخط زوجي “محمود”. علب بلاستيكية، ألبومات صور، وحقيبة ملابس معلّقة كأنها تنتظر عودة أحد من الماضي.
تقدمت إلى الداخل.
رائحة الورق القديم ضربت أنفي.
فتحت أول صندوق.
صور.
“محمود”… أصغر سنًا بكثير، لكن لا شك فيه. نفس الوقفة. نفس نصف
لكنه لم يكن وحده.
امرأة كانت تقف بجواره في عدد كبير من الصور.
وتواريخ الصور كانت قبل أن أعرفه بسنوات.
جلست على صندوق بلاستيكي، وبدأت أتنفس بصعوبة.
واصلت البحث.
خطابات زفاف تحمل اسمه واسم امرأة أخرى: “نورا”.
عقد إيجار موقع باسم الاثنين معًا.
بطاقات موجهة إلى “محمود ونورا”.
ثم وجدته…
شهادة وفاة.
“نورا”.
توفيت.
سبب الوفاة مكتوب بشكل رسمي بارد، لا يشرح شيئًا… لكنه يفتح أبوابًا من الأسئلة.
همست:
“لا… لا يمكن…”
لم أبكِ.
الصدمة لا تأتي دائمًا على شكل دموع… أحيانًا تأتي كفراغ كامل.
أعدت كل شيء إلى مكانه بيدين مرتجفتين.
ثم وجدت رسالة موجهة إلى “نورا”… من امرأة اسمها “سارة”.
أغلقت
وقررت الذهاب إلى سارة.
كان منزل “سارة” على بعد ساعة.
بيت بسيط، متعب، كأنه يقاوم الحياة بصعوبة.
اتصلت بها من السيارة بخدعة ثقيلة على قلبي، ادعيت أنني صحفية تبحث في قصة قديمة.
وافقت على اللقاء.
عندما فتحت الباب، كانت تبدو مرهقة وحذرة.
ثم رأيته خلفها…
طفل صغير، ربما في الثامنة.
رفع عينيه نحوي—
وتجمدت في مكاني.
نفس عيون محمود.
نفس النظرة.
نفس الملامح.
سألتني سارة بحدة:
“لماذا تسألين عن نورا؟”
أجبت بصعوبة:
“أنا فقط أحاول فهم الحقيقة…”
ثم طردتني من البيت.
لكنني كنت قد فهمت شيئًا واحدًا:
هناك طفل.
وهو ابن زوجي.
عدت إلى المستشفى مباشرة.
كان محمود مستيقظًا.
نظر إليّ بخوف:
“كنتِ فين؟”
لم أجب بهدوء هذه المرة:
“رحت
سكت.
ثم قلت:
“عرفت كل حاجة… نورا… والطفل.”
انكسر صمته.
قال بصوت منخفض:
“ما قتلتهاش.”
“أنا ما قلتش كده… لكنك هربت.”
خفض رأسه.
وقال:
“كان حادث… كانت خناقة… ووقعت… وبعدها الناس اتهمتني.”
“فهربت؟”
“انهرت… وخفت.”
نظرت له طويلاً.
“وتركتهم؟”
لم يرد.
ثم قلت:
“الطفل محتاجك.”
انهار تمامًا.
“أنا خايف أضيع حياتي الجديدة…”
قلت له:
“أنت ضيعتها بالفعل.”
بعد أيام، التقى الطفل “آدم” بأبيه لأول مرة في حديقة عامة.
كان اللقاء صعبًا، صامتًا، لكنه حقيقي.
ثم بدأ شيئًا جديدًا.
ليس عائلة مثالية…
لكن محاولة للنجاة من الماضي.
وفي النهاية، قلت له:
“الحب مش دايمًا مكافأة… أحيانًا هو قرار نعيش بيه رغم كل حاجة.”
ومسكت يده.
ولأول
شعرت أن حياتي لم تنتهِ.
لكنها بدأت بشكل مختلف تمامًا.
تمت