ابني في يوم التخرج
الجزء الثاني
"أمي علمتني يعني إيه تفضل…"
الضحك اختفى فجأة.
كريم كان شايل بنته بإيد، وبالإيد التانية عدّل الميكروفون. صوته ما كانش بيرتعش… رغم إني عارفة إنه من جواه مكسور.
قال وهو باصص قدامه:
"طول عمري، الناس كانت تبص لنا وتشوف اللي ناقصنا… أب سابنا، وأم خلفت بدري، ومستقبل مفيهوش أي ضمان."
ولا حد اتحرك.
"بس أنا ما شفتش كده."
بص لبنته اللي نايمة بهدوء على صدره.
"أنا شفت ست بتتعب ليل ونهار، وبرغم كده كانت بتيجي كل مناسبة ليا. شفت حد بيختارني كل يوم… حتى لما البقاء كان أصعب حاجة."
دموعي بدأت تنزل.
"من كام شهر عرفت إني هبقى أب… وخوفت، آه خوفت جدًا. بس كنت عارف حاجة واحدة: أنا مش همشي."
همهمة خفيفة مشت في القاعة… بس المرة دي مش سخرية، كانت توتر.
"في ناس ضحكت لما شافتني طالع ببنتي… يمكن فاكرين إنها ضيعت حياتي."
سكت لحظة…
"بس هي مش غلطة."
سكت تاني…
"دي مسؤوليتي."
الصمت بقى تقيل جدًا.
"وبنتي عمرها ما هتكبر وتسأل: هو بابا قرر يفضل ولا يمشي؟"
أنا وقتها كنت بعيط من غير ما أستخبى.
وفجأة… حصل اللي محدش كان متوقعه.
صوت بنت جاي من جنب القاعة:
"كريم!"
كلنا بصينا…
كانت ليلى.
المفروض إنها لسه في المستشفى. عندها 18 سنة، وشها شاحب، ضعيفة، لابسة سويت شيرت واسع، ولسه لابسة سوار المستشفى. جنبها ممرضة… ووراها ست أنا
نجلاء… أمها.
نفس الست اللي قبل شهور قفلت الباب في وشي.
ونفس اللي قالت إن ابني دمّر حياة بنتها.
ونفس اللي أقسمت إن كريم مش هيشوف الطفل لو اتولد.
حسّيت ببرودة في جسمي.
ليلى قربت وهي بتعيط… مرعوبة.
كريم نزل من على المسرح وهو لسه شايل بنته.
قال لها بصوت واطي:
"إنتي بتعملي إيه هنا؟"
لكن أمها ردت بدالها:
"كفاية كدب بقى."
القاعة كلها بتتفرج.
أنا وقفت.
مديرة المدرسة حاولت تهدي الوضع… بس محدش سمع.
نجلاء شارت على كريم بغضب:
"قول الحقيقة! قول إن بنتي ماكنتش عايزة الطفل ده! قول إنكم ضغطتوا عليها! قول إنكم دلوقتي بتعملوا نفسكم أبطال علشان الناس تصقف!"
الناس همهمت بصدمة.
ليلى صرخت:
"لأ!"
بس أمها شدتها.
الفوضى زادت… ناس بتصور… ناس مش عارفة تبص فين…
وفي اللحظة دي فهمت إن الإهانة لسه ما خلصتش… دي لسه بتبدأ.
كريم واقف، مصدوم، شايل بنته…
وفجأة نجلاء قالت جملة قلبت كل حاجة:
"إنت أصلاً ما تعرفش الحقيقة كاملة عن البنت دي."
القاعة كلها سكتت.
وكريم، وشه شاحب، أخد خطوة لقدام…
لأنه حس إن الأسوأ لسه جاي.
الجزء الثالث
"إنتي قولتي إيه؟"
صوته كان هادي… بس قطع كل الفوضى.
نجلاء كانت بتتنفس بسرعة… كأنها مستنية اللحظة دي من زمان.
ليلى كانت بترتعش.
"قوليله!" صرخت أمها. "قوليله إن البنت ممكن ما تكونش بنته!"
القاعة
أنا حسّيت رجلي مش شايلاني.
لكن كريم ما اتحركش… بس حضن بنته أكتر… كأنه بيحميها من الدنيا كلها.
ليلى شدّت إيدها من أمها:
"كفاية!" صرخت. "كفاية كدب!"
وساد الصمت.
بصت لكريم وقالت:
"آه… أنا شكيت. قلت كلام وحش. كنت عايزة أهرب. كنت خايفة… جدًا. بس مش علشان البنت مش بنتك."
سكون تام.
"قلت كده علشان ماما زرعت الفكرة دي في دماغي… كانت عايزاني أجهض. كانت بتقول هتدمر حياتي… وكانت بتكرر إن كريم هيختفي زي أبوه."
نجلاء حاولت تتكلم… بس ليلى كملت:
"ولما ولدت… حاولت تخليني أدي الطفلة للتبني من غير ما حد يعرف. كنت تعبانة ومش فاهمة حاجة… وصدقّت للحظة."
الناس اتصدمت.
كريم قفل عينه لحظة… كأن حاجة اتكسرت جواه.
ليلى كملت:
"بس هو كان بيجي كل يوم المستشفى… كل يوم. حتى لما كنت برفض أشوفه. حتى لما ماما تمنعه. حتى لما محدش كان ضامن له حاجة."
بصت للبنت:
"ولما عرفت إنه شايلها في التخرج… فهمت حاجة: الوحيد اللي كان بيتصرف كرجل بجد… هو كريم."
أنا ما قدرتش أوقف دموعي.
نجلاء، بعد ما اتحاصرت بنظرات الناس، صرخت:
"أنا كنت بحاول أحميك من تعيشي زي الست دي!" وشارت عليا.
"لوحدها… تعبانة… بتعد الفلوس!"
بس المرة دي… ما زعلتش.
لأن كريم رد قبل ما أتكلم:
"بصيلي كويس…" قال وهو باصص لها وللكل،
"لو شبه أمي يعني إني ما أسيبش عيلتي…
الأول… محدش صقف.
كان في حاجة أقوى…
الندم.
ندم في اللي ضحكوا.
ندم في الست اللي شتمتني.
ندم في كل اللي شافوا مأساة… وهي في الحقيقة شجاعة.
وبعدين… واحد وقف وسقف.
وبعدين واحد تاني.
لحد ما القاعة كلها وقفت… تصفق وتعيط.
نجلاء خرجت جري.
والحفل كمل… بس ما بقاش زي الأول.
ما بقاش مجرد تخرج…
كان حقيقة اتقالت قدام الكل.
الخاتمة
بعد الحفل، رحنا المستشفى علشان ليلى.
بعد ساعات، لما بقينا لوحدنا، بصت لي بخوف وقالت:
"أنا آسفة… كنت فاكرة إني بوظت كل حاجة."
قعدت جنبها، وعدلت شعرها… زي ما كنت أتمنى حد يعمل معايا زمان.
وقلت لها بهدوء:
"كلتي حاجة؟"
وانفجرت في العياط.
بعد أسبوع… جت تعيش معانا.
مش علشان الحياة سهلة…
لكن علشان اتعلمنا حاجة:
الحب مش دايمًا بييجي في الوقت الصح… بس دايمًا يستاهل مكان.
عدّى سنة…
البيت بقى أزحم… وأتعب…
بس كمان… أدفى وأحلى.
حفيدي بيمشي خطواته الأولى…
ليلى رجعت تكمل تعليمها…
كريم بيشتغل ويدرس ويغيّر حفاضات… من غير شكوى.
وأوقات بشوفه نايم على الكرسي، وبنته على صدره…
وساعتها بحس إن الماضي أخيرًا سابني.
فاكرة الست اللي قالت:
"زي أمه…"
وأيوه…
كان عندها حق.
ابني طلع شبهي.
خايف… بس ما بيهربش.
مكسور… بس ما بيسيبش.
قلبه بيرتعش… بس بيفضل.
لأن في الآخر… القصة دي
كانت بتاعتنا إحنا.
وفي الليلة دي… آخر كلمة ما كانتش "فضيحة"…
كانت "حقيقة". ❤️
تمت حكايات محمد عبده