حماتي حكايات محمد عبده
الجزء الثاني
في المستشفى، دخلت ليلى فورًا إلى الطوارئ.
وقف كريم خارج الغرفة، ويداه مغطاتان بالدم، يرتجف وكأن الأرض ستنهار تحته.
أما الحاجة أمينة فكانت تسير ذهابًا وإيابًا في الممر، تتمتم بالدعاء، تبكي، وتكرر أنها لم تكن تعرف… وأنها فقط صعدت لإيقاظها.
لكن نظرة كريم لها… لم تعد كما كانت.
قال فجأة بصوت مكسور: "أنا شفتها تعبانة امبارح… قالتلي بطنها بتوجعها."
رفعت أمينة رأسها بسرعة: "طب وإنت ما عملتش حاجة ليه؟"
ضحك بمرارة: "قولتلها تستحمل… إن في شغل كتير في البيت النهارده."
ساد الصمت… ثقيلًا لا يُحتمل.
بعد دقائق، خرج الطبيب بوجه جاد.
"مين زوج المريضة؟"
"أنا"، رد كريم فورًا.
"النزيف كان شديد جدًا… وصلت وهي فاقدة كمية كبيرة من الدم، والحالة كانت خطيرة."
"هتبقى كويسة؟" سأل بصوت بالكاد يُسمع.
تنهد الطبيب: "بنعمل كل اللي نقدر عليه… بس في حاجة لازم تعرفوها."
توقف لحظة، ثم قال: "زوجتك حامل."
اتسعت عينا أمينة.
كريم تجمد: "إيه؟!"
"الحمل في حالة حرجة… والساعات الجاية هي اللي هتحدد
تراجع كريم للخلف وكأن أحدهم ضربه.
بدأ يتذكر كل مرة وضعت فيها ليلى يدها على بطنها… كل مرة اشتكت… وكل مرة تجاهل.
"استريحي بعدين."
"أمي محتاجة مساعدة."
"أكيد تعب عادي."
غطى وجهه بيديه: "أنا كنت إيه…؟"
حاولت أمينة الاقتراب، لكنه تراجع: "ما تلمسينيش يا أمي."
بعد قليل، عاد الطبيب بسؤال صادم:
"كنتوا تعرفوا إن المريضة حصل لها إجهاضين قبل كده؟"
نظر الاثنان له بدهشة: "إجهاضين؟!"
"آه… الحالة دي كانت حمل خطر جدًا. كانت محتاجة راحة تامة… وممنوع أي مجهود."
جلست أمينة على الكرسي وكأن الدنيا دارت بها: "هي… ما قالتش حاجة…"
نظر إليها الطبيب بثبات: "في ستات كتير بتسكت… عشان حاسة إن مفيش حد هيسمعها."
كانت تلك الكلمات كصفعة.
بدأت أمينة تتذكر صوتها… أوامرها… ضغطها المستمر.
"يا ليلى امسحي الأرض."
"خدي بالك من البيت."
"مفيش ست بتتعب من شوية شغل."
وليلى… صامتة دائمًا.
بعد ساعات، سمحوا لها بالدخول.
فتحت ليلى عينيها بصعوبة وقالت بصوت ضعيف: "كنت فاكرة… لو استحملت… كل حاجة هتتحسن…"
انهارت
لكن ليلى لم ترد.
وفي اليوم التالي… جاءت الضربة الأقوى.
قال الطبيب لكريم: "لقينا آثار دواء هرموني… كان خطر جدًا على الحمل."
تجمد الدم في عروقه: "مين إداهولها؟"
رد الطبيب: "الدواء جاي من البيت عندكم."
نظر كريم ببطء نحو الممر…
حيث كانت أمه تقف…
برأس منخفض.
الجزء الثالث
اقترب كريم منها ببطء ثقيل: "إديتيها إيه يا أمي؟"
قالت بصوت مكسور: "كنت مديالها شوية حبوب…"
"حبوب إيه؟!"
"واحدة جارتي قالتلي عليهم… قالت بيقوّوا الجسم ويخلوا الست تستحمل التعب…"
صرخ: "ومن غير دكتور؟!"
"ما كنتش أعرف إنها حامل…"
"بس كنتِ عارفة إنها تعبانة!"
انفجرت بالبكاء: "كنت عايزة البيت يمشي…"
وفجأة، جاء صوت غاضب من الخلف:
"يمشي لمين؟!"
كانت أم ليلى قد وصلت.
"بنتي كانت بتموت… وإنتي بتفكري في البيت؟!"
خفضت أمينة رأسها: "غلطت…"
ردت الأم بحدة: "الغلط إنك تكسر كوباية… إنما اللي عملتيه ده استعباد!"
عندما تحسنت ليلى قليلًا، طلبت التحدث إليهم.
قالت بهدوء: "أنا مش عايزة أنتقم… بس مش
ثم نظرت لكريم: "إنت ما دافعتش عني."
ثم لأمينة: "وإنتِ ما شفتنيش بني آدمة."
صمت الجميع.
قالت أمينة فجأة وهي تبكي: "أنا كنت بتعامل نفس المعاملة زمان… وحلفت ما أعملش كده… بس بقيت زيهم."
كانت تلك أول مرة تتكلم فيها كإنسانة… لا كسلطة.
"لو هتحاسبوني… أستاهل."
قال كريم: "لو قررتي تمشي… هتفهم."
ردت ليلى: "لو رجعت… يبقى بشروط: الشغل يتقسم… صحتي مهمة… وكلامي يتسمع."
قال فورًا: "موافق… ولو مش ده هيحصل… نسيب البيت."
أمينة لم تعترض… لأول مرة.
مرت الشهور…
تعافت ليلى ببطء، رغم ألم فقدان الجنين.
تغير كريم… أصبح يشارك في كل شيء.
وتغيرت أمينة… بدأت تسمع بدل ما تأمر.
كانت تقول لأي حد: "الكنة مش خدامة… وسكوتها مش رضا."
وبعد سنة…
حملت ليلى مرة أخرى.
لكن هذه المرة… كل شيء كان مختلفًا.
راحة… اهتمام… احترام.
وعندما قال لها كريم وهو يمسك يدها: "المرة دي… مش هتشيلي حاجة لوحدك."
ابتسمت…
ابتسامة حقيقية.
لأن الحقيقة التي فهموها متأخرًا كانت بسيطة:
البيت ممكن يمشي بالأوامر…
لكن
غير لما يسمع الألم… بدل ما يسكته.
تمت حكايات محمد عبده