القصة كاملة حكايات محمد عبده

لمحة نيوز

في إحدى قاعات الطعام داخل مقرّ وزارة سيادية في القاهرة، دفعني أحد أفراد الحراسة بعنف، فسقط كوب القهوة الساخن على بلوزتي البيضاء وانسكب على الأرض اللامعة.
كان يظن أنني مجرد موظفة مدنية عابرة، يمكن إحراجها وتأخيرها ودفعها بعيدًا قبل أن يلاحظ أحد من المسؤولين الكبار وجودها.
قال بصوت حاد تحركي يا مدام هذه المنطقة مخصصة للقيادات.
لم يضحك أحد في البداية.
لكن ضابطًا شابًا على الطاولة المجاورة أطلق ضحكة خفيفة، وكأنها كانت الإشارة التي سمحت له بالاستعراض أمام الآخرين.
نظرت إلى صينيتي بهدوء شطيرة بسيطة. قطع تفاح. وكوب قهوة تحوّل إلى فوضى.
ثم رفعت عيني إلى شارة اسمه الرائد سامي عبدالقادر.
كان طويلًا، عريض الكتفين، يبدو كأنه خرج من صورة دعائية للانضباط، بنبرة صوت مليئة بالثقة المبالغ فيها، كأنه يعتقد أن رفع الصوت هو معنى السلطة.
لكنه لم يكن يعرف من أنا.
لم يكن يعرف لماذا أنا هنا في هذا المبنى شديد الحساسية.
ولم يكن يعرف أن البطاقة المخفية داخل سترتي الرمادية تحمل تصريح دخول أعلى من الذي يملكه مديره المباشر نفسه.
والأهم من ذلك لم يكن يعلم أن سلسلة القيادة التي يفتخر بها تنتهي عمليًا عند مكتبي أنا.
لم أصرخ.
لم أدفعه.
بل أخذت منديلًا ومسحت القهوة عن يدي وقلت بهدوء لقد وضعت يدك على الشخص الخطأ.
ارتجّ فمه بابتسامة

ساخرة الشخص الخطأ؟
ثم كرر الكلمة وكأنها إهانة له.
بدأت الضوضاء في القاعة تخف تدريجيًا.
توقفت الملاعق في الهواء. رفع أحد الضباط رأسه من الطعام. وأغلقت موظفة هاتفها ببطء.
حتى اللواء الجالس قرب النافذة رفع نظره.
في مثل هذه الأماكن لا يوجد صمت كامل. لكن ذلك الصباح، كان الصمت يتسلل من طاولة إلى أخرى.
اقترب مني الرائد سامي أكثر، حتى أصبح قريبًا بشكل متعمد.
وقال مررتِ من منطقة مقيدة. تجاهلتِ تعليمات الحراسة. والآن ستأخذين طعامك وتغادرين.
نظرت خلفه. لا توجد لافتة. لا حواجز. لا شيء.
فقلت لم أتجاهل أي تعليمات. أنت فقط قررت أنني لا أملك الحق في السؤال.
اشتدت ملامحه هذا الأسلوب لا ينفع هنا.
وقبل أن يرد، ظهر شاب أصغر خلفه ملازم أول اسمه كريم حسن.
تجمد لثوانٍ وهو ينظر إليّ، ثم ظهرت على وجهه ملامح إدراك خفيفة، كأنه تذكّر شيئًا رآه في عرض تدريبي سري.
همس سيدي لحظة.
لكن الرائد قاطعه ليس الآن.
ثم لاحظ الملازم الشارة المخفية جزئيًا داخل سترتي.
اقترب أكثر.
لم أتحرك.
حاول أن يلمسها لكن يده توقفت في الهواء قبل أن تصل إليها.
تفصيلة صغيرة لكنها كانت كافية ليلاحظها الجميع.
تغيرت ملامحه هل تخفين شيئًا؟
قلت بهدوء لا أنت من لا يرى الصورة كاملة.
ساد الصمت أكثر.
ثم قلت لم توقفني بسبب التعليمات. بل لأن أحدهم أخبرك أن امرأة بهذه المواصفات
ستدخل في هذا التوقيت. وأمرك أن تعرقلها.
تجمد المكان.
الملازم شحب وجهه.
وفجأة، تحرك أحد الكبار قرب النافذة لواء كبير وقف من مكانه.
ثم وقف آخر.
ثم دخل رئيس الهيئة العليا للمكان بنفسه.
وقال بصوت هادئ لكنه حاسم الدكتورة نادين يوسف كنا في انتظارك.
رفعت رأسي.
وفي تلك اللحظة فقط، أدرك الرائد سامي أن المرأة التي دفعها قبل قليل هي الشخص الوحيد الذي طُلب منه منع وصوله بأي طريقة.
وانتهت اللحظة بصمت كامل لم يعد فيه أحد يجرؤ على الكلام.
تراجع الرائد سامي خطوة إلى الخلف وكأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميه.
لم يكن الصمت في القاعة صمتًا عاديًا كان صمتًا يضغط على الصدر.
لم ينظر أحد إليه الآن. كل العيون كانت موجهة نحوي أنا، وكأن اللحظة أعادت ترتيب المكان بالكامل.
تقدّم رئيس الهيئة العليا ببطء، ثم أشار بيده نحو الطاولة الرئيسية قرب النافذة.
تفضلي يا دكتورة نادين الاجتماع بدأ منذ ساعة.
تحركتُ بهدوء، بينما كنت أشعر بنظرات الحراسة خلفي تتغير من التهديد إلى الارتباك، ثم إلى الخوف.
الرائد سامي لم يتحرك. فقط وقف مكانه، وجهه فقد لونه تمامًا، وكأن أحدهم سحب منه كل ما كان يظنه قوة قبل دقائق.
لكن قبل أن أصل إلى الطاولة، سمعت صوته لأول مرة بدون غرور
دكتورة أنا لم أكن أعلم.
توقفت.
لم ألتفت بالكامل، فقط قلت بصوت منخفض
وهذا هو الفرق
بين من ينفّذ الأوامر ومن يفهمها.
ثم أكملت طريقي.
عند الطاولة الكبيرة، كان هناك عدد من كبار المسؤولين، خرائط مفتوحة، وملفات تحمل أختامًا حمراء تشير إلى مستوى سري للغاية.
جلس اللواء الأكبر وأشار لي بالجلوس.
قال بهدوء الملف الذي عملتِ عليه في الخارج وصل إلى مرحلة التنفيذ.
فتحت الحقيبة الموضوعة أمامي، وأخرجت ملفًا واحدًا فقط.
التسريب الذي حذرنا منه لم يكن مجرد احتمال كان داخل النظام نفسه.
ساد توتر واضح.
أحد الضباط قال تقصدين أن هناك اختراقًا داخليًا؟
أومأت.
ليس اختراقًا فقط بل شخص لديه وصول مباشر لسلسلة القيادة.
في تلك اللحظة، شعرت أن الهواء في الغرفة أصبح أثقل.
كان الجميع يفهم ما يعنيه ذلك، حتى لو لم يُقل بصوت عالٍ.
من بعيد، عند باب القاعة، رأيت الرائد سامي واقفًا لا يزال هناك، لكن كأنه أصغر من قبل، وكأن المكان لم يعد يتسع لوجوده.
همس الملازم كريم بجانبه سيدي اسمها كان على قائمة الوصول المحظور بأمر مباشر من أعلى مستوى.
ارتجف سامي مين أصدر الأمر؟
لكن الملازم لم يجب.
لأن الإجابة كانت واضحة للجميع.
داخل القاعة، بدأ رئيس الهيئة يتحدث مجددًا
لدينا 72 ساعة قبل أن يتم تفعيل الخطة المسربة.
ثم التفت إليّ
والدكتورة نادين هي الوحيدة التي تستطيع تتبع مصدرها.
أغلقت الملف ببطء.
سأحتاج وصول كامل للنظام بدون قيود.
ساد
صمت قصير.
ثم قال اللواء
تم منحك كل الصلاحيات.
في تلك اللحظة فقط، فهم الجميع لماذا لم
تم نسخ الرابط