القصة كاملة

لمحة نيوز

عادت ليلى مبكرًا من رحلة عمل، لتكتشف والدها راكعًا على الأرض ينظف، بينما كانت حماتها تسخر منه قائلة
هذا البيت تفوح منه رائحة الريف.
أما انتهى هذا الرجل من التنظيف بعد؟ انظروا إلى الرائحة التي تركها في غرفة المعيشة كأننا في سوق قروي.
سمعت تلك الكلمات لحظة دخولها منزلها.
تجمدت في مكانها عند الباب، وما زالت تمسك بحقيبة السفر، وإرهاق الرحلة يثقل جسدها. كانت قد عادت قبل الموعد المتوقع من مدينة هيوستن، حيث أمضت ما يقارب شهرًا كاملًا لإنهاء عقد مهم في الشركة الصناعية التي تعمل فيها كمديرة مشاريع. كان من المفترض أن تبقى شهرين، لكن الأمور سارت بشكل أفضل من المتوقع، فقررت العودة مبكرًا لمفاجأة زوجها كريم.
لكن المفاجأة كانت من نصيبها هي.
من مدخل منزلها في القاهرة الجديدة، رأت مشهدًا كسر شيئًا بداخلها.
والدها محمود، رجل يبلغ من العمر سبعة وستين عامًا، قضى حياته كلها يفلح أرضه في قرية صغيرة بمحافظة المنيا، كان راكعًا على ركبتيه ينظف الأرضية الخشبية بقطعة قماش قديمة. كانت هناك بقع من الطعام المسكوب من سلة صلصة وحساء، وبيوض مكسورة، وقطع لحم متفرقة، وزجاجة مهشمة من طعام منزلي.
كان يجلس على الأريكة كأنها عرض ترفيهي كل من حماتها سميرة وشقيقة زوجها هبة، يأكلان العنب ويشاهدان التلفاز.
قالت هبة بابتسامة ساخرة
نظفها جيدًا يا عم محمود، لأن ليلى

تحب أن تتظاهر بالرقي هذه الأيام، وتغضب إذا شمّت رائحة الريف في بيتها.
ضحكت الحماة بخفة.
قلت لك يا كريم نفس الكلام لماذا يأتي والدها دائمًا بهذه الأشياء؟ لدينا ثلاجة مليئة. لا نحتاج لهذه الروائح.
شعرت ليلى بأن وجهها يشتعل غضبًا.
كانت في السادسة والثلاثين من عمرها، تعمل أكثر من 12 ساعة يوميًا، وقد اشترت هذا المنزل بعرق سنوات طويلة من السفر والعمل والتضحيات. أما زوجها كريم فكان مشرفًا في مصنع للتغليف. لم تُهِنْه يومًا رغم أنه أقل دخلًا منها، وكانت هي من تدفع القرض والفواتير وعلاج حماتها وحتى طلبات شقيقة زوجها.
لكن رؤية والدها على ركبتيه في منزلها، يُعامل كخادم، جعلها تكاد لا تتنفس.
سقطت حقيبة سفرها على الأرض بقوة.
التفت الجميع في اللحظة نفسها.
كادت هبة تشرق بالعنب من الصدمة، ونهضت سميرة بسرعة وهي مذهولة.
ليلى؟! أنتِ عدتِ؟ كريم قال إنك
لم تسمع باقي الجملة.
توجهت مباشرة نحو والدها.
يا أبي قم.
رفع رأسه إليها. كانت قميصه متسخًا، ويداه ترتجفان، وعلى وجهه خجل لا يليق به.
يا ابنتي ماذا تفعلين هنا؟
سؤال أصابها بقشعريرة أقوى من المشهد نفسه.
ماذا يعني ماذا أفعل هنا؟ هذا بيتي! لماذا أنت تنظف الأرض على ركبتيك؟
خفض والدها عينيه.
أسقطت السلة لم أرد أن أسبب مشكلة.
التفتت ليلى نحو حماتها.
وأنتِ ألم يخطر ببالك أن تعطيه ممسحة؟ أو تساعديه؟ أليس
عندكِ ذرة خجل؟
قالت هبة وهي تعقد ذراعيها
لا تبالغي يا ليلى. هو من سكبها، وهو ينظفها. ولم يطلب منه أحد أن يأتي بأشياء رائحتها مزعجة.
قالت ليلى بصوت هادئ لكنه حاد
أنا من تدفع ثمن هذا البيت وفي هذا البيت لا يُهَان والدي.
تدخلت سميرة بنبرة تمثيلية معتادة
أنتِ تبالغين. والدك جاء فجأة وكان متوترًا، ثم سقط الطعام وأراد التنظيف بنفسه. نحن لم نفعل شيئًا.
أين كريم؟
ساد الصمت.
خرج أمر طارئ، قالت سميرة.
أخرجت ليلى هاتفها
سأتصل به إذن.
لكن والدها أمسك يدها بسرعة غير متوقعة.
لا يا ابنتي لا تتصلي به.
نظرت إليه بقلق.
ما الأمر يا أبي؟
تعالي معي وحدنا.
أخذها إلى غرفة الضيوف وأغلق الباب.
جلس على طرف السرير وكأنه فقد القدرة على الوقوف.
وبقيت هي واقفة، قلبها يخفق بشدة.
قل لي الحقيقة لماذا أنت هنا؟ ماذا قال لك كريم؟
نظر إليها وكأنه لا يصدق أنها أمامه.
يا ابنتي هل أنتِ محتجزة؟
تغيرت ملامحها.
محتجزة؟ عن ماذا تتحدث؟
أخرج ورقة مطوية من جيبه.
كريم اتصل بي قبل أسبوع. قال إنك ارتكبتِ خطأ في أموال الشركة في هيوستن، وأنكِ موقوفة للتحقيق. وقال إنهم يحتاجون ثلاثة ملايين دولار لإنهاء المشكلة قبل دخولك السجن.
تجمدت ليلى.
ماذا؟!
قال لي لا أتواصل معك، وأن حساباتك مجمدة، وأنه الوحيد القادر على مساعدتك
شعرت الدنيا تدور بها.
يا أبي أنا كنت أُنهي عقد عمل فقط!
لم يتم احتجازي!
نظر إليها والدها بصدمة وانكسار.
إذن لقد كذب علي.
ثم أخرج ورقة أخرى.
كانت توكيلًا رسميًا.
كريم أخذني إلى كاتب عدل. وقال إنه قرض سريع. وبفضله سيتم الإفراج عن المال اليوم ثلاثة ملايين.
اشتعل الغضب داخلها.
لم يكتفِ كريم بإهانة والدها، بل استغل خوفه ليوقعه في فخ سرقة بيته وأرضه في المنيا.
نهضت فجأة.
سأجده.
لا! أمسك يدها والدها. لو واجهتيه الآن سيهرب بالمال.
توقفت.
كان محقًا.
اسمعني يا أبي سنستعيد حقك، لكن افعل بالضبط ما أقول لك.
هز رأسه والدموع في عينيه.
حاضر يا ابنتي.
ستعود وكأن شيئًا لم يحدث لا تخبر أحدًا. وعندما يعود كريم، سأجعله يظن أنني لا أعرف شيئًا.
وماذا ستفعلين؟
نظرت إلى نفسها في المرآة.
سأجعله يظن أنه انتصر
وعندما خرجت، كانت حماتها تراقبها بابتسامة سمّية.
هل غادر والدك؟ كان يبدو متعبًا.
نظرت إليها ليلى بهدوء مخيف.
نعم غادر. والآن لم يتبقَ سوى عودة كريم.
وفي داخلها كانت العاصفة قد بدأت وهي تجهز الفخ الذي سيبتلعهم جميعًا.
بعد ساعات قليلة، كان البيت هادئًا بشكل غير طبيعي.
ليلى جلست في غرفة المعيشة، كأنها تعيش يومًا عاديًا، بينما داخلها كان يغلي. حماتها سميرة وشقيقة زوجها هبة كانتا تتصرفان وكأن شيئًا لم يحدث، لكن نظراتهما بين الحين والآخر كانت مليئة بالترقب.
وفجأة
سُمع صوت باب المنزل يُفتح.
كريم وصل.
قالتها
سميرة بابتسامة صغيرة، وكأنها تنتظر عرضًا مسرحيًا.
دخل كريم بخطوات هادئة، يحمل حقيبته،
تم نسخ الرابط